مصر أمام أخطر مسألة دستورية

يطرح النقاش مرة أخرى سؤالاً أساسياً حول مستقبل الوثيقة العليا: هل تبقى كما هي وتستمر شرعيتها مع مرور الزمن، أم تستدعي خطوات جديدة تعيد تشكيل الشرعية من الصفر؟ يتناول هذا العرض كيانات النص الدستوري، آليات تعديله، وتباينات النخب بين الحفاظ على الاستقرار وتحديث الإطار القانوني بما يواكب التحديات الراهنة.
في قلب الجدال الدستوري والسياسي الراهن
الشرارة: من تصريح إلى مواجهة علنية
في 14 أكتوبر 2026 أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي أن الدستور الذي وافق عليه المصريون “لن يمسه أحد”، وتكررت هذه الدعوة مرتين خلال الندوة التثقيفية الـ44 للقوات المسلحة بعنوان “وطن الأبطال”. وبعد أسبوعين، اتسع نطاق النقاش ليشمل إمكانية إعداد دستور جديد أو تعديل الدستور القائم، حين طرح النائب مصطفى بكري فكرة that يمكن أن يسير المسار نحو دستور جديد عبر طريق مختلف تماماً عن التعديل الجزئي. وهكذا تحوّل السؤال من مسألة فنية إلى مأزق سياسي مفتوح حول من يملك حق التغيير وفي أي إطار دستوري يمكن أن يتم ذلك.
الزاوية الدستورية: ما تسمح به النصوص فعلاً
يكمن الجدل عند ثلاث مواد محورية في الدستور المصري:
- المادة 4: تؤكد سيادة الشعب ومصدر السلطات، وتبرز حق الشعب في حماية دُستوره.
- المادة 140: تحدد مدة الرئاسة وحدود الدورتين.
- المادة 226: ترسم المسار المشروع لأي تعديل أو لمراجعة الدستور بشكل عام.
الطريق الذي ترسمه المادة 226
- يبدأ المسار بطلب من رئيس الجمهورية أو خُمُس أعضاء مجلس النواب.
- ثم موافقة ثلثي أعضاء المجلس على المسودة المقترحة.
- ويختتم باستفتاء شعبي على النص المعروض.
أية مسارات خارج هذا الإجراء، مثل الدعوة إلى جمعية تأسيسية جديدة أو إصدار وثيقة جديدة كلياً، تُعد خروجاً عن الإطار الدستوري كما نصت عليه الوثيقة نفسها. وهنا تبرُز الفروق بين تعديل جزئي والنقلة نحو دستور جديد كلياً، وهو ما أبرزته المناقشة بين أديب وبكري من حيث المبدأ: ليس مجرد تعديل مادة، بل التفكير في إغلاق باب المسار القديم وفتح باب آخر يضع الدستور جانباً.
الزاوية العلمية: قراءة الخبراء
- الدكتور صلاح فوزي، أستاذ القانون الدستوري وعضو لجنة الخبراء العشرة التي أعدت دستور 2014: يرى أن دستور 2014 يعد من أفضل ما يمكن وضعه في تلك الظروف، وأن وجود مواد بحاجة مراجعة لا يعني بالضرورة القبول بدستور جديد بالكامل.
- المحامية نهاد أبو القمصان، عضو لجنة الخمسين: ترفض الدعوات الحالية وتدعو إلى تنفيذ النصوص قبل تغييرها، مشيرة إلى أن أجزاء من الدستور لم يتم تطبيقها بشكل كامل بعد.
- المحامية نهى الجندي: ترى أن المسألة مرتبطة بالزمن والضرورة السياسية لا بالصِياغة الفنية، وتُفضِّل التعديل الجزئي الذي يمر عبر المادة 226 وينتهي باستفتاء شعبي.
الزاوية السياسية: معركة أفكار لا مشادة
- تيار “الوثيقة أولاً”: يرى أن استقرار الدستور أساس لاستقرار الدولة، وأن تصريحات الرئيس تعطي توقفاً مؤقتاً للجدل وتدعو إلى تنفيذ النصوص بدلاً من فتح مسارات جديدة.
- تيار “المراجعة أولاً”: يجادل بأن الدستور يحتوي ثغرات وتحديات اقتصادية وتكنولوجية تستدعي تعديلاً يواكب التطور، وأن الشعب يملك التعبير عن رأيه عبر جمعية تأسيسية أو استفتاء، شرط أن يكون المسار دستوريًا.
الرحلة: كيف بلغنا لحظة الضبابية؟
تاريخياً، تكررت محطات التعديل في الدساتير المصرية عبر عقود متعددة: 2011 حين جرى تعديل قسم من دستور 1971، ثم دستور 2012، ثم دستور 2014، وتعديل 2019 الذي زاد مدة الرئاسة إلى ست سنوات مع حدّين، وصولاً إلى صدى النقاش الحالي حول مستقبل الدستور. وثيقة الدستور التي يراها الجميع خطاً أحمر تشكّلت عبر مسار واحد: مبادرة من جهة تنفيذية أو برلمانية، ثم موافقة، ثم استفتاء. وهنا تتجلى مسألة الثقة: هل التعديل يعبِّر عن إرادة الشعب أم يكرّس إرادة من يحكمون؟
خلاصة وتوجيه عملي للنقاش
- المعترك الدستوري يتجه من اختيار بين تعديل جزئي ومسار لتأسيس وثيقة جديدة، إلى مسألة ثقة في من يكتب النص ومتى.
- التوازن بين الحفاظ على الاستقرار والسعي لتحديث يواكب التحديات سيظل هو المحور الأساسي للنقاش، مع ضرورة توضيح الإجراءات وتأكيد التزام الجميع بالآليات الدستورية.
هذه الصورة توفر فهماً أقوى للسياق الحالي: مفارقة بين تأكيد النصوص وبين الحاجة إلى مواءمة الواقع، وفِي قلبها سؤالان مركزيان: من يملك حق الحديث باسم الشعب؟ وكيف نحافظ على الاستقرار مع فتح باب التغيير؟




