مفتي الجمهورية يدعو إلى التصدي للشبهات حول صحيح البخاري عبر البحث العلمي

في إطار تعزيز فهم علم الحديث والتوثيق، أكد مفتي الجمهورية أن كتاب الإمام البخاري يمثل أحد أبرز إنجازات الحضارة الإسلامية، فهو ليس مجرد كتاب لجمع السنة بل تجسيد عملي لحضارة الإسناد والتوثيق المبنية على التثبت والنقد والتمحيص.
سياق المؤتمر ودلالاته العلمية والحضارية
جاء ذلك خلال كلمة ألقاها في المؤتمر الدولي “الجامع المسند الصحيح للإمام البخاري.. كتاب أمة وتجسيد علمي لحضارة الإسناد والتوثيق”، الذي عُقد في جمهورية أوزبكستان بمشاركة نخبة من العلماء والباحثين والمتخصصين في علوم الحديث من مختلف دول العالم.
إشادة باستضافة أوزبكستان للمؤتمر
- استهل مفتي الجمهورية كلمته بتوجيه الشكر إلى جمهورية أوزبكستان على تنظيم المؤتمر، مؤكداً أن انعقاده على أرض الإمام البخاري يحمل دلالة علمية وحضارية عميقة، ويجسد الوفاء لأئمة الحديث الذين أفنوا أعمارهم في خدمة السنة النبوية.
- وأشار إلى أن صحيح الإمام البخاري أصبح تراثاً إنسانياً ومنهجاً معرفياً يُستلهم في مواجهة تحديات العصر، خاصة في ظل اضطراب معايير نقل المعرفة وتداول الأخبار.
منهج المحدثين وتفوقه على المناهج الحديثة
- أوضح أن السنة النبوية خضعت عبر تاريخها لأعلى درجات التحقيق والتدقيق، وأن علماء الحديث ابتكروا منهجاً فريداً في جمع الروايات ونقدها، قائمًا على دراسة الأسانيد، والرحلة في طلب الحديث، وتمحيص أحوال الرواة، والتمييز بين الصحيح والضعيف.
- أضاف أن هذا المنهج سبق كثيراً من المناهج الحديثة في التحقق من الأخبار وتمحيصها، حتى إن عدداً من المستشرقين شهدوا بدقته وريادته في توثيق الأخبار، مشيرًا إلى أن الإمام البخاري بلغ الذروة في تطبيق هذا المنهج من خلال صحيحه، الذي أظهر فيه عبقريته في نقد الروايات، ومعرفته الدقيقة بعلل الحديث، وفقهه العميق الذي انعكس في تراجم أبوابه.
ثمرة مدرسة علمية متكاملة
أكد المفتي أن صحيح الإمام البخاري لم يكن جهدًا فرديًا معزولًا، بل ثمرة مدرسة علمية متكاملة، خضع كتابها للمراجعة والنقد منذ عصر مؤلفه، وتلقته الأمة بالشرح والمدارسة والاستدراك جيلًا بعد جيل. وأوضح أن الحكم بصحة الكتاب جاء نتيجة إجماع علمي تراكمي، وليس اجتهادًا فرديًا، وهو ما يفسر مكانته العلمية الراسخة واستمرار حضوره في ميادين البحث والدراسة حتى اليوم.
الرد على الشبهات بالبحث العلمي
- أشار المفتي إلى أن الشبهات المثارة حول صحيح الإمام البخاري في العصر الحاضر لا تستهدف الكتاب في ذاته، وإنما تستهدف في حقيقتها تقويض حجية السنة ومصادر التشريع الإسلامي، معتمدين في ذلك على مناهج بعيدة عن قواعد علوم الحديث وضوابطها.
- شدد على أن مواجهة هذه الدعاوى تكون بإبراز المنهج العلمي الذي قام عليه الصحيح، وتعريف الأجيال بأسس الإسناد والنقد والتمحيص، وتفنيد الشبهات بالحجة والبرهان، بعيدًا عن الانفعال أو الاقتصار على مجرد التلقي.
دعوة لإحياء علوم الحديث وترسيخ ثقافة التثبت
أكد المفتي أن من أهم واجبات المؤسسات العلمية اليوم تحويل الاعتزاز بالتراث الإسلامي إلى مشروع علمي مؤسسي متواصل، يدعم البحث في علوم الحديث، ويعنى بتحقيق المصنفات، ويؤهل أجيالًا قادرة على قراءة هذا التراث وتقديمه للعالم بلغة علمية معاصرة. وأضاف أن ذلك يسهم في ترسيخ ثقافة التثبت والانضباط العلمي في زمن تتسارع فيه المعلومات وتختلط فيه الحقائق بالدعاوى.
إشادة بدور الأزهر ودار الإفتاء
- ثمن الدكتور نظير محمد عياد، الجهود التي تبذلها المؤسسة الأزهرية في صيانة التراث الإسلامي والدفاع عن مصادره المعتمدة، وما تقدمه من دراسات علمية رصينة حول صحيح الإمام البخاري ومنهجه.
- وأشاد بالدور الذي تضطلع به دار الإفتاء المصرية من خلال مراكزها ووحداتها البحثية في تصحيح المفاهيم، ومواجهة التأويلات المنحرفة، وتعزيز الأمن الفكري، وترسيخ الثقة بالمرجعية العلمية الوسطية.
خاتمة وتقدير
واختتم مفتي الجمهورية كلمته بتوجيه الشكر إلى جمهورية أوزبكستان على جهودها في خدمة تراث الإمام البخاري، مؤكدًا أن العناية بهذا التراث تمثل خدمة للسنة النبوية، وإحياءً لأحد أعظم مناهج التوثيق العلمي في تاريخ الإنسانية، بما يعزز ثقافة الاعتدال، ويرسخ الهوية الإسلامية، ويصون الذاكرة العلمية للأمة.



