تحقيقات ومقالات

نبيل بسطا المحامى وملاحظات على قانون الأحوال الشخصية الموحد للمسيحيين

ملاحظات على قانون الأحوال الشخصية الموحد للمسيحيين
حرصاً منا على زيادة الوعى القانونى
فاننا سوف ننشر تعليقاتنا على المؤشرات الأولية لقانون الأحوال الشخصية (الموحد) للمسحيين وفقاً للمعاير الموضوعية والعملية.
ياتى ذلك بعد ما تابعنا ردود الأفعال على المؤشرات الأولية للقانون ما بين مفرط فى التهويل فى معارضة ونقد هذا القانون، وما بين مفرطاً فى التفاؤل القبول .
لذا نهيب بكم بالمتابعة حتى تكون الصورة واضحة أمامكم
بكل شفافية وتجرد .
الملحوظة الأولى :
فى إطار متابعتنا لكافة الأخبار الواردة عن قانوني الأحوال الشخصية المزمع إصدارهما ، والذي يتعلق أحدهما بكافة الطوائف المسيحية (كقانون موحد )
فلقد كانت كافة التعليقات مبالغة في قبول أو رفض المؤشرات الأولية لهذا القانون .
وفى هذا الأطار نريد أن نؤكد على الأتى :
أن أساس التقيم الصحيح للنصوص القانونية لا يتكشف إلا من خلال التطبيق العملي في المحاكم وما يصدر عنها من أحكام إستناداً علي نصوص هذا القانون.
وللاسف عندما قيم البعض ما ظهر من مؤشرات قانون الأحوال الشخصية الموحد للمسيحين نسي البعض أو تناسي أن هذا القانون يتضافر في تطبيقه مع قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لما فيه من أحكام عامة تسري على جميع نزعات الأسرة .
ولذلك نهيب بالجميع التروي وأنتظار ما سينتج من ملاحظات إيجابية أو سلبية لا يمكن الوقوف عليها إلا من خلال التطبيق الفعلي والعملي من خلال المحاكم .
الملحوظة الثانية :
من المبالغات التى قيلت فى بعض وسائل الأعلام من الشخصيات الذين أشتركوا فى إعداد قانون الأحوال الشخصية (الموحد) للمسحيين المصريين هو :
أنه أول قانون وضع لتنظيم مسائل الأسرة للأقباط منذ عهد عمرو بن العاص .
وكأن لائحة 1938 لم تكن قانوناً أستمر العمل بها لعقود ، فبالرغم من أنها “لائحة “صادرة عن مجلس دينى ،وليست قانون صادر بأداة تشريعية ، إلا أن محكمة الأسرة بكافة درجاتها تعاملها معالمة “القـانون ” المُلزم للكافة ، وهذة حقيقة لا يجب أنكارها .
وإن كان المعيار هو أن تكون السُلطة الحاكمة هى مُصدرة القانون ، فتماشياً مع هذا المعيار نجد أن “قوانين مجمع القلعة” هى أول قانون رسمى صادر لتنظيم أمور الأقباط والتى يرجع تاريخها إلى عام 1240 م أبان حاكمية الدولة الأيوبية.
حيث ينقل لنا التاريخ قوانين “البابا كيرلس الثالث “البطرك ال75 ، وهى عبارة عن خمسة كتب الكتاب الأول: يتكلم عن نظم الأدارة البطريركية ،ووضع قوانين للأحوال الشخصية
والكتاب الثانى : عن الخطبة،والزواج، وحالات فسخ الزيجة، ومنع التسري ،والميراث،والتركات،وطبقات الوارثيين،وميراث الأساقفة والرهبان ،والوصية .
والكتاب الثالث :يشمل الأوقاف،والصدقات .
والكتاب الرابع : يشمل الطقوس المرتبة على العادة الجارية فى بيعة الأقباط من أعياد كبرى وصغري والصلوات والأصوام .
وجميع هذ الكتب الأربعة تم أقرارها بكنيسة العذراء بحارة زويلة عام 955 ش (1239 م)
ولما كان هناك خلافاً وأنقسامات بين الأساقفة والبطريرك (البابا كيرلس الثالث ) ولم يتم الألتزام بأى من تلك القوانين ، أعيدت الدعوة لعقد المجمع فى القلعة (قلعة صلاح الدين ) بحضور الصاحب الوزير معين الدين بن الشيخ ( وزير السلطان الأيوبى فى مصر ) وبحضور عدد من الأساقفة ووالشيوخ ، وتم التأكيد على القوانين المتفق عليها فى كنيسة زويلة عام 957ش ، وأضيف إليها الباب الخامس : والذى يشمل على تحديد سلطات البطريرك بأن يلازمة أثنين من الأساقفة فى اتخاذ قراراته ومراجعتها أحدهما الأب القمص بولس البوشى ، مع التأكيد على بعض من القوانين المذكورة فى الكتب الأربعة ، وأن تكتب القوانين المذكورة فى الأربعة كتب الأولى بالأضافة إلى الكتاب الخامس وتوزع على كراسى الكنائس .
ويلاحظ فى هذا القانون صدورة فى حضور وزير السطان الأيوبى فى مصر ، وأن التعميم المذكور فى الباب الخامس هو ما يشابة ديباجة النصوص فى أيامنا الحالية بألزام نشر القانون فور صدوره ،إلى جانب حضور السُلطة الحاكمة فى الدولة وقتها ، مما يعنى أن هذة النصوص القانونية أخذت صفة الألزام كأول قانون يصدر فى حضور السُلطة الحاكمة ويتسم بالتعميم .

الملحوظة الثالثة :
ما هو سبب صدور قانون الأحوال الشخصية (الموحد) للمسحيين ؟
أتفق الفقه القانونى فى أن التشريعات والنصوص القانونية ترتبط وجوداً وعدماً بالمشكلات المُجتمعية التى يعالجها هذا التشريع .
وعلية هناك سؤال يطرح نفسة ..
هل لائحة 1938 وتعديلاتها عام 2008 عجزت عن معالجة النزعات الزوجية الموجودة لكى نلجاء إلى تشريعاً جديداً ؟
لكى تكون الأجابة شافية ..
فلابد من ظهور إحصائيات عن عدد قضايا الأسرة التى تخص المسحيين المصريين بكل طوائفهم .
ومقارنة هذة الأرقام بتعداد المسحيين المصريين .
والحقيقة أن كلا الإحصائيتان غير معلن عنهما أو بالأحرى غير موجودتان بالمرة .
فبالنسبة لعدد القضايا التى تخص المسحيين فلم نجد أى جهه رسمية أو أى منظمة من منظمات المجتمع المدنى أعلنت عن اى عدد لتلك القضايا .
والواقع العملى نجد أن تلك القضايا منظورة مع باقى القضايا التى تخص المسلمين فى ذات الجلسة ،وينظرها نفس القاضى ، دون تخصيص دائرة أو قاضى محدد لنظر تلك القضايا .
أما الإحصائية الثانية غير موجودة من الأساس ، لان الأتجاه السائد من المؤسسات الدولية المعنية بحقوق الأنسان حظرت أى إحصائييات للسكان تتم بناء على لون أو عرق أو جنس أو دين ، ومصر تبنت هذا الأتجاه الدولى منذ عقود ” وحسنناً فعلت”
إذن كلمة السر والقول الفصل فى وجود إشكالية تكمن فى:
الوقوف على نسبة وتناسب حجم هذة النزعات بالمقارنية بالقاعدة الجماهيرية الخاصة المستهدفة لهذا القانون ، فهل هذة البيانات مُتاحة ؟!!
سؤال يحتاج إلى إجابة !!!!

الملحوظة الرابعة
هل الحل هو أصدار قانون ؟
“من التصريحات التى أدلى بها من ممثلوا الكنائس المشاركة فى أعداد هذا القانون هو أن القانون يجب أصداره لانه يزيل الغموض عن كل الأمور الخاصة بالزواج والخطبة والطلاق ، ومهما كان ما يشوب هذا القانون من نواقص إلا أن أصداره أفضل بكثير من حالة الغموض والضبابية التى نعيشها “
وبغض النظر عن حالة التأكيد والأصرار بأنه لا توجد قوانين مُنظمة تنظم أمور الزواج قبل ذلك
وهو أمر رددنا عليه سابقاً فى منشوراً منفصل .
فأن كان لازما أيكون هناك نصاً قانونياً جديداً
فالأفضل أن يكون هذا النص “لائحة” وليس “قانون” ….لماذا ؟
لان أمو الزواج بشكل خاص وأمور الكنيسة ورعاياها بشكل عام ..هى أمور دينية بحته يجب أن تظل تحت سلطان وقيادة الرئاسة الدينية ، مع الأخذ فى الأعتبار خصوصية علاقة الزواج فى المفهوم المسيحى بأنه ” سر مقدس ” والنواه الأولى للكنيسة الكبيرة .
فلا يجب أن تخرج تنظيم تلك الأمور خارج القيادة الكنسية بأى شكل من الأشكال ، خصوصاً وأن جميع الشروحات الفقهية للقانون أكدت على أن الكنيسة المصرية ليست مرفق عام للدولة ، ولا يعتبر البابا والقيادات الكنسية موظفيين عموميين ، بل كيان له طبيعة قانونية خاصة .
أما القانون
فأصداره لن يكون إلا بأداه التشريع الرسمية ، وهذا الأمر يجعل طلب الكنيسة فى المستقبل بتعديل القانون أو الطلب بعدم أعمال هذا القانون جزئياً أو كلياً يخضع للقبول والرفض من المجلس التشريعى الذى ينظر فى طلب الكنيسة .
فضلا أن هذا الأمر مخالفاً للعديد والعديد من الأحكام القضائية التى أقرتها محكمة النقض والمحكمة الإدارية العليا بخصوصية المركز القانونى للكنيسة المصرية وأنها ليست “مرفق عام ” وأن لها صلاحيتها فى أن تدير أمورها بالشكل التى تراه وفقاً لتعاليم الأنجيل طالما أنها لا تخالف الشرع العام .

الملحوظة الخامسة :
شبهة عدم الدستورية تلاحق القانون الجديد من قبل صدوره
هل يجوز أن تكون مبادئ القانون المدنى يمكن أن تكون مصدراً من مصادر هذا القانون ؟
طالعنا التصريحات الصحفية التى قيلت عن هذا القانون ، وفى أغلبها رأت انه لا غضاضة من أستخدام القانون المدنى لأقباس تشريعات ومبادئ مدنية تنظم الزواج .
وقد يرى البعض هذا الأمر بشئ من الأنفتاح والتحضر فى عدم تصلب الكنيسة بأراء محافظة ، بل تنفتح على العالم ، وتقدم فكراً جديداً معاصراً .
والحقيقة هى أن المادة الثالثة من الدستور قد اغلقت هذا الجدل بنص صريح ،حيث جاء فى دستور عام 2014 الأتى :
“مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية”.
ويلاحظ أن واضعى الدستور أستخدموا أداه التعريف فى “المصدر ” وليس “مصدر” بما يفيد الأستغراق والقصر ، وهذا لغلق باب الأجتهاد أمام أى تفسير قضائى أو فقهى بأستخدام اى مصدر أخر لتنظيم أمور الأحوال الشخصية بالنسبة للمسحيين المصريين .
غير أن هناك أمر أخر فى غاية الخطورة … هو غياب مفهوف (السر المقدس )عند القول بأن القانون المدنى من ضمن مصادر هذا القانون ، لأن لو كان القانون المدنى منظماً لأحوال الزواج ، فربما بالتبعية تعلوا أصواتاً فى المستقبل بالمناداه “بالزواج المدنى ” وجعل طقس الزواج طقساً أحتفاليا تكميلياً يجوز التغاضى عنه !!!!
هو أمر يعجل الكنيسة بمنأى عن أحوال رعاياها وتنظيم أمور أسرهم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى