“العزلة الاجتماعية الإيجابية”

أمجد وهيب عزيز يكتب:
“العزلة الاجتماعية الإيجابية”
_____
ثمة مقولة شعبية دافئة تقول: “الرِجل تدب مطرح ما تحب”؛ كانت هذه المقولة قديماً تختزل أسمى معاني المحبة الإنسانية، حيث تقود الأقدام صاحبها تلقائياً إلى وِجهة يجد فيها رحابة الصدر، ودفء الأصدقاء، وطمأنينة الأقارب. أعتقد هذه المقولة باتت تنتمي لزمن مضى، ولم تعد صالحة لواقعنا المعاصر الذي كهرَبَته المصالح، وصعقته الانتهازية في انتهاز الفرص، ولهذه الأسباب غاب أهل الكفاءة والتخصص، وصار المنصب “المكان المناسب للرجل المنافق”، ذاك الذي يجيد اللعب بوجهين، ويتقن الإسقاط على الآخرين كحيلة دفاعية يضمن بها التنصل من أخطائه وإلصاقها بغيره، ليحصد في النهاية مكتسبات وحضوراً اجتماعياً لا يستحقهما في الأصل،
لقد كانت الأقدام قديماً تساق إلى القلوب النظيفة والبيوت المفتوحة بدافع الشوق، فإن أقدام “الحداثة المشوهة” أصبحت تدب مطرح ما تفيد وتستفيد؛ حيث تحولت البوصلة من “الإنسانية ومكتسباتها” إلى “المنفعة وتنازلاتها”. وحين نقيس مدى نجاح أي منظومة—سواء في التعليم، أو الصحة، أو الإسكان—سنجد أن “روح الفريق الواحد” هي السر؛ فإذا خلصت النوايا، وعرف كل فرد حجم مسؤولياته وموقعه الاجتماعي كعنصر فاعل (سواء أكان تنويرياً، أو معلماً أكاديمياً، أو طبيباً للقلوب قبل الأجساد، أو مهندساً للبناء المعماري قبل الاستثماري)، فإنه سيساهم بلا شك في إنجاح المنظومة. ما أسهل الحصول على الشهادات الأكاديمية اليوم، ولكن السؤال: هل يملك حاملوها القدرة على إحداث تغيير مجتمعي ناجح؟ وإلا، فما سبب الأزمات والكوارث والفقر الذي ينخر كالسوس في جسد الأوطان؟ إنها تتحقق بسبب حيل البعض، وتجميل الكذب بالألقاب، وتسخير الوهم و”الشللية”، مما يؤخر الإصلاح المجتمعي الشامل.
للأسف، تقوقع البعض في ذاتية المجتمعات المغلقة (الكمبوندات)، وتركوا بقية المجتمع خاضعاً لعشوائية التجريب بلا رقيب، مكتفين بالديكورات الشكلية للواقع المحدود، وتاركين الساحة الخلفية للصراعات القبلية والفئوية التي تزرع ألغاماً موقوتة تراقب المشهد في صمت. إننا بحاجة ماسة لـ “خارطة طريق” واضحة الأهداف والرؤى والتنفيذ السريع؛ لإصلاح الأجور، والمعاشات، والصحة، ولتطوير مشروعات تنموية تحارب العشوائيات وتحسّن بيئة المواطنين المظلومين، والارتقاء بالخدمات بما يتناسب مع التطور الحديث. وإلا، فما فائدة الحراك المجتمعي ونجاح منظومة المجتمع المدني الحقيقي؟ إن المجتمع المدني يجب أن يخلو من شماعات الطائفية، والشللية، والعناصر الراديكالية التي تهدف للتدليس والتشويش على الشفافية والرقابة الإدارية في قطاعات الدولة الحيوية. كما أننا حتى الآن لم نفعّل “الحوكمة الرقمية” كما ينبغي للحماية من الفساد المالي والإداري، مما ترك الساحة الداخلية في حالة من التجميل الشكلي الخالي من ضمانات اجتماعية حقيقية تحمي الفقراء والمهمشين.
إن غياب أهل الكفاءة والتخصص ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج منظومة أصبحت تكافئ “المهارات الحربائية” على حساب الكفاءة الحقيقية. فالحربائي الحديث لا يتحرك بعفوية، بل بخطوات مدروسة، تدب أرجله على سجاد المكاتب الأنيقة حيث يُصنع القرار، أو في مجالس النفاق الاجتماعي. هذا الكائن قادر على شراء النفوذ بالمال، وتجنيد الآفاقين لصناعة “الوهم اللذيذ”، مستخدماً “الإسقاط النفسي” كدرع واقٍ؛ لأنه يدرك أن كفاءته الجوفاء ستنكشف عاجلاً أم آجلاً، فيستبق ذلك بصناعة “أكباش فداء” من المخلصين والإصلاحيين الحقيقيين ليجعل من أخطائه خطايا لغيره. إنه لا يبني مجداً، بل يستولي على أمجاد بناها أهل الحضارة والجهد، ثم يتقدم الصفوف ليقطف الثمار وحده.
لقد تحول الشعار إلى: “الرجل تدب مطرح ما تغنم.. لا مطرح ما تحب وتكرم”؛ حيث استُبدلت الطمأنينة بالانتهازية، وفُصِّل “المكان المناسب” على مقاس الانتماءات والأيديولوجيات المتسلقة. غير أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما اغتصبه من مناصب، بل بما تركه من أثر صادق. وتكمن خطورة هذا التحول في “تزييف الوعي الجمعي”، إذ يصبح النفاق في عرف المجتمع “ذكاءً اجتماعياً”، والانتهازية “شطارة”، بينما تُصنّف الاستقامة والمهنية كـ “ضعف وقلة حيلة”.
إن العودة إلى فلسفة “الرجل تدب مطرح ما تحب” هي بمثابة إعادة برمجة لروح التغيير الحقيقي والوطني الذي ناضل من أجله الشعب، تغيير لا يهمش أحداً بل يعود خيره على الجميع، حتى لا يشعر المواطن بالظلم داخل وطنه الكبير، وحتى لا تكون عزلة بعض أفراده.. في ظل العولمة المتسارعة.. عزلة سلبية ذات تأثيرات ضارة على المدى البعيد. إننا نريدها “عزلة اجتماعية إيجابية”، مبنية على الترفع عن الصغائر والمشاركة الواعية في اختيار الكفاءات والكوادر، بعيداً عن الأشكال الوظيفية الخالية من المضمون والأفكار. نريد إصلاحات وقوانين تتعامل مع الملفات المجتمعية الشائكة بشفافية ووضوح، وبآليات تنفيذية عاجلة، لكي ينجح الحلم الإصلاحي المتكامل الذي ننتظره جميعاً من دولة الرئيس.
____


