تحقيقات ومقالات

إشكالية التعاون بين المستثمر والسلطة

إشكالية التعاون بين المستثمر والسلطة

تناول الجدل الدائر حول زيارة رجل الأعمال المهندس نجيب ساويرس لدمشق ولقائه بأحمد الشرع الكثير من الإنتقادات ،وللأسف أغلبها نقد سطحي ،حيث وصفه بعض المعارضين بأن ساويرس (يتحالف مع الشيطان) وآخر بأنه “بلامبادئ في البيزنس” وفي وصف آخر بأن هذا التعاون خيانة لأنصار العلمانية ودولتهم”..وإنما في الواقع زيارة المهندس نجيب لسوريا ومقابلة رئيسها له مردود ونظرة عميقة،حيث تؤكد علي (ذكاء رأس المال والذي يبحث عن الفرص في أي بيئة وأينما وجدت )،ففي فلسفة الدولة المدنية الليبرالية والعلمانية يمثل هذا السلوك جوهر العلمانية والدولة المدنية التي تفصل تماماً بين العقائد الدينية والمنفعة العامة والاقتصادية، لتحقيق مبدأ “معاً من أجل الوطن”. لهذا فأنا أري أن لاخوف علي مستثمر علماني يؤمن بالتعددية والحرية وقبول الآخر من نجاحه في أي مجتمع ،فالمال قادر علي السيطرة وفرض سياسات تحميه،أن مايحدد قواعد اللعبة ،فهو بيان القوة التبادلية عندما يصبح رأس المال أداة قوية لترويض التشدد، ودفع السلطة الحاكمة نحو المدنية والانفتاح، لأن الاستثمار يتطلب بيئة مستقرة وحريات حقيقية.. وهذا مايحمي ويديم شرعية أي قائد ورئيس دولة أياً كانت اتجاهاته الفكرية والأيدلوجية،
أن من ينتقد تلك الزيارة..
“مناكف سياسي سطحي” ليس لديه أي دراية ب “فلسفة الاقتصاد والسياسة ،ولا بعلم الإجتماع الليبرالي”.. أنني هنا لا أدافع عن رجل أعمال بقدر ما أريد أن أفكك سلوك وفكر “رأس المال العابر للأيديولوجيات”،
ك”قوة ناعمة لترويض التشدد وفرض المدنية” أن رأس المال ماهو إلا أداة قوية لـ “لترويض الأيديولوجيات الصلبة” التي تجمع
بين رجل أعمال علماني، وسلطة ذات خلفية راديكالية (كأحمد الشرع) ،، أن رأس المال وسياسة الأعمال بطبعها لا تعترف بالحدود العقائدية، وقادرة على تليين وإذابة أي مواقف صلبة،أن السلطة الحاكمة (أياً كانت عقيدتها) تدرك في النهاية أن “شرعية الإنجاز والإقتصاد” هي ما تحمي بقاءها، ورجل الأعمال يدرك أن الأسواق الخارجة من الأزمات هي “أرض بكر” للعوائد الإستثمارية المرتفعة، فعندما يلتقي المال بالسياسة مع أشباه تلك الأيدلوجيات، تصاغ “صكوك الغفران الدينية”بالحلول الإيجابية والمقنعة،وتتقدم “لغة الأرقام والمصالح العامة”، أن رأس المال يفرض شروطه السيادية في أي بيئة وجد فيها، فالأستثمار لا يضخ أمواله في بيئة محكومة بالفتاوى المتشددة أو القوانين المنغلقة في نصوص دينية ،فلاننسي أيام حكم الرئيس السابق مرسي كيف تم ترويض التشدد بالمنفعة، فالسلطة التي تتبنى خطاباً متشدداً تضطر من أجل الحفاظ على التدفقات المالية وتثبيت شرعيتها إلى “تقليم أظافر تشددها”، وتأويل نصوصها المتشددة لتتماشى مع متطلبات السوق، فرأس المال السياسي يمثل كبح لجماح التشدد والانغلاق السياسي والفكري، أن تعاون ساويرس بالاستثمار في بيئات عديدة،وتعامله مع أيدولوجيات سياسية مختلفة يئول لفكره العلماني الباني، وتأصيلاً لمبدأ “معاً من أجل الوطن” من منظور ليبرالي تنموي، أن زيارة مستثمر ذو ثقل إقليمي لبلد يعاني من آثار الحرب، إنما يعيد صياغة مفهوم “الوطنية” لتصبح قائمة على الإعمار والإنتاج لا على الشعارات،
وهذا السلوك ترسخ لفكرة أن الاقتصاد هو المحرك الأساسي للأستقرار الإجتماعي، فخلق فرص العمل، وبناء البنية التحتية، وإعادة العجلة الاقتصادية للدوران هي الكفيلة بأمتصاص الاحتقان المجتمعي، وتحويل الطاقات الشابة من الفكر الديني الراديكالي المتشدد إلى الإنتاج والاندماج في السوق العالمي، إن زيارة نجيب ساويرس لدمشق يجب ألا تُقرأ بنظرة سياسية عميقة وشاملة ، والإشادة بها ووصفها “بالسماحة العلمانية وللرأسمالية العالمية في إثبات الذات” والتي تختبر مدى قدرة المال على اختراق الجدران الأيديولوجية الصلدة ، أن المستثمر العلماني المؤمن بالتعددية لا يذهب ليتبنى أيديولوجية الحاكم، بل يذهب ليفرض “منطق السوق” الذي هو في جوهره منطق مدني وعلماني،مبني علي المنفعة المتبادلة وآليات الإستثمار المفتوح علي العالم والدول التي تريد مواكبة الحداثة والتطور وتسعي لأسعاد ورفاهية مواطنيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى