مجلس النواب… من سلطة شعبية إلى ساحة نفوذ

مجلس النواب… من سلطة شعبية إلى ساحة نفوذ
بقلم: بيتر سمير
لم يعد السؤال المطروح في الشارع المصري هو: ماذا يفعل مجلس النواب؟
بل أصبح السؤال الأخطر: لمن يعمل مجلس النواب؟
على مدار دورات برلمانية متعاقبة، تشكلت صورة ذهنية لدى المواطن مفادها أن المجلس لم يعد ممثلًا حقيقيًا لمختلف فئات المجتمع، بل بات أقرب إلى تجمع مغلق تهيمن عليه فئة واحدة: رجال المال والأعمال. هذه ليست مشكلة أشخاص، بل أزمة نظام تمثيل اختل ميزانه، فغابت العدالة في الحضور، وغاب معها صوت البسطاء.
المشكلة لا تكمن في دخول رجال أعمال إلى البرلمان، فالتنوع مطلوب، والنجاح الاقتصادي ليس تهمة. لكن الكارثة تبدأ عندما يصبح المال هو شرط الترشح غير المعلن، وعندما تتحول الانتخابات من منافسة برامج إلى سباق إنفاق، ومن معركة أفكار إلى معركة محافظ.
في دوائر كثيرة، يعرف الجميع كيف تُدار اللعبة:
المال يسبق البرنامج،
واللافتات تسبق الرؤية،
والخدمات المؤقتة تُستبدل بالحقوق الدائمة.
وحين يصبح الصوت الانتخابي سلعة، يفقد المواطن ثقته في العملية السياسية، ويفقد البرلمان شرعيته المعنوية، حتى وإن اكتملت شرعيته الدستورية.
أما نظام القوائم، الذي كان من المفترض أن يكون أداة لضبط التمثيل وضمان الكفاءة، فقد تحول في بعض الأحيان إلى بوابة خلفية مغلقة، لا تُفتح إلا لمن يملك القدرة على التمويل، أو على “دعم” الأحزاب ماليًا، لا فكريًا. وهنا تتحول الأحزاب من مدارس سياسية إلى منصات انتخابية، وتتحول التزكية من ثقة سياسية إلى صفقة صامتة.
والسؤال الجوهري الذي يجب ألا نخشى طرحه:
حين يناقش البرلمان قوانين الاستثمار، أو الضرائب، أو المنافسة، أو الأراضي، من يمثل المواطن البسيط داخل القاعة؟
هل يُسمع صوت العامل؟
هل يُدافع عن الفلاح؟
هل تُراعى الطبقة الوسطى؟
أم تُصاغ التشريعات بميزان السوق لا بميزان العدالة؟
إن البرلمان ليس غرفة تجارة، ولا مجلس إدارة شركات، ولا ساحة لتأمين المصالح الخاصة. البرلمان سلطة تشريع ورقابة، وصوت شعب، وحين تهيمن المصالح الاقتصادية على المشهد، تتحول الرقابة إلى مجاملة، والتشريع إلى توازنات، ويصبح المواطن آخر من يُفكَّر فيه.
هذا المقال ليس هجومًا على أشخاص، بل إعلان موقف.
موقف يقول بوضوح: لا برلمان بلا تمثيل حقيقي، ولا ديمقراطية يُديرها المال، ولا دولة قوية تُقصي أبناءها غير القادرين ماليًا عن المجال العام.
وإذا كانت الانتخابات القادمة معركة، فهي ليست معركة مقاعد، بل معركة استرداد المعنى.
معركة أن يعود النائب نائبًا عن الناس، لا عن رأس المال.
وأن يصبح البرلمان مرة أخرى ساحة للضمير الوطني، لا مرآة لحسابات النفوذ.
هذه ليست دعوة للفوضى، بل دعوة للإصلاح.
وليست صرخة غضب، بل موقف سياسي واعٍ.
فالدولة التي تريد برلمانًا قويًا، يجب أن تحرره أولًا من هيمنة المال، وتعيد له وظيفته الأصلية: أن يكون صوت من لا صوت لهم.


