تحقيقات ومقالات

بيتر سمير يكتب : الخديوي عباس حلمي الثاني… الحاكم الذي سار على حافة الحلم

الخديوي عباس حلمي الثاني… الحاكم الذي سار على حافة الحلم

بيتر سمير بيتر سمير 

كان القرن التاسع عشر يوشك أن يُسدل ستارَه، وكانت مصرُ تتقلبُ بين رياح الاحتلال وأحلام النهضة، حين أطلت من بين الغيوم شمسٌ خافتة حملت وجه شابٍّ لم يتجاوز الثامنة عشرة، يجلس على عرشٍ مثقلٍ بالديون، لكنه مفعمٌ بالأمل.
اسمه عباس حلمي الثاني… آخر خديوٍ لمصر، وأول من حاول أن يردّ إليها نبضَ الكرامة بعد أن أنهكها الإنجليز.
فجرٌ من الحلم
لم يكن عباس حلمي حاكمًا عاديًا، بل شابًا يرى في الحكم رسالةً أكثر من كونه سلطة.
تعلّم في النمسا، واطّلع على أنظمة الغرب وإدارته، فعاد إلى القاهرة يحمل بين ضلوعه مزيجًا من الانضباط الأوروبي والأنفة الشرقية.
كان يحلم أن يُقيم في مصر دولةً تحيا بالعلم، وتُدار بالعقل، وتستمدّ مجدها من سواعد أبنائها لا من وصاية أحد.
رأى أن التعليم هو المعركة الأولى، فدعم إنشاء المدارس، ووقف خلف تأسيس الجامعة المصرية عام 1908،( جامعه القاهره) مؤمنًا بأن الحرية لا تُنتزع إلا من عقولٍ متعلّمة.
وفي عهده، أزهرت الصحافة الوطنية، وارتفعت أصوات المثقفين والمفكرين في زمنٍ كانت الكلمة فيه أشبه بالرصاصة.
كان راعيًا للفن، محبًا للموسيقى، يرى في المسرح صوتًا للوعي، وفي التعليم جسرًا نحو الاستقلال الحقيقي.
مصر بين إرادتين
غير أن الطريق إلى المجد لا يُعبَّد بالنيات الطيبة وحدها.
كانت مصر يومها ساحةً بين قوتين: الاحتلال الذي يمسك بخيوط السياسة والمال، وحاكمٍ شابٍّ يريد أن يمدّ يده ليعيد الأمور إلى نصابها.
دخل عباس حلمي في صراعٍ محتدم مع اللورد كرومر، الرجل الذي مثّل إرادة الإمبراطورية البريطانية في مصر.
كان الصدام بين عقلين: أحدهما يؤمن بالوصاية، والآخر بالحريّه
تارةً يواجه الخديوي الإنجليز بجرأةٍ تُثير الإعجاب، وتارةً يتراجع حفاظًا على عرشه.
ذلك التردّد كان قدره وعلّته معًا — كمن يحاول السير على حافة النصل: خطوةٌ للأمام تُغضب بريطانيا، وخطوةٌ للخلف تُفقده ثقة شعبه.
لكنّه، رغم كل شيء، لم يُسلم رايته تمامًا، بل ظلّ يحلم، يحاور، ويُداري الأمل كما يُداري العاشق شمعةً وسط ريحٍ لا تهدأ.

إنجازات تضيء رغم الغروب

ومهما اختلفت الآراء حوله، فإن آثار الخديوي عباس حلمي لم تزل باقية في وجدان مصر.
فهو الذي دعم التعليم الحديث، وأنشأ الجامعة المصرية، وأمر بتطوير السكك الحديدية وشبكات الريّ لتنهض الزراعة من كبوتها.
عمل على تحسين الإدارة، وتشجيع الصناعات المحلية، وتوسيع نفوذ المصريين في مناصب الدولة بعد أن كانت حكراً على الأتراك والأجانب.
كان يُدرك أن الاستقلال لا يُنتزع بالسلاح وحده، بل بالبناء، بالمعرفة، وبأن تمتلك الأمة أدوات النهضة قبل أن تطالب بالحرية.

من المجد إلى المنفى

لكنّ السياسة لا ترحم الحالمين.
ومع اشتعال الحرب العالمية الأولى، ووقوف الدولة العثمانية في صفّ أعداء بريطانيا، وُضِع اسم الخديوي على قوائم العزل.
وفي لحظةٍ لم يتوقعها، أُعلنت الحماية البريطانية على مصر، وسُحب منه لقبه، وهو في الأستانة ضيفًا لاجئًا لا حاكمًا.
هناك، في منفاه البارد، كتب مذكراته بمداد الوجع، يروي فيها كيف انكسر الحلم عند أبواب التاريخ.

ما بين السقوط والخلود

قد يراه البعض مترددًا، وآخرون وطنيًا نبيلاً لم يسعفه زمانه، لكن الحقيقة أن عباس حلمي الثاني كان إنسانًا قبل أن يكون خديويًا.
كان قلبه مع مصر، لكنّ قدره كان أثقل من قدراته، وزمنه أقسى من أحلامه.
ومع ذلك، فإن كل خطوةٍ خطاها في طريق التعليم، وكل دعمٍ قدّمه للثقافة، ظلّت ومضة ضوءٍ في ليلٍ طويلٍ من التبعية.
لقد رحل الخديوي عن الدنيا، لكن بقي اسمه شاهدًا على أن في قلب كل حاكمٍ حقيقي حلمًا لا يموت…
وأن التاريخ — مهما قسا — لا ينسى من حاول أن يوقظ وطنًا كان نائمًا على وسادةٍ من الغبار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى