منوعات
الدكتور عبد الله شلبى ومقدمة كتابه الدين والصراع الاجتماعي في مصر
أجمل ذكريات.. تقديم بقلم الاستاذ الدكتور رفعت السعيدشلبى

أجمل ذكريات..
تقديم بقلم الاستاذ الدكتور رفعت السعيد.
صفحة من تاريخ مصر
ضوء في النفق المظلم.
فيما الانغلاق المأساوي، وسيادة الرؤى المستندة إلى التخلف والظلامية والجهالة، وفيما يتهرب البعض من المواجهة، ويكتفون بالأسى المكتوم، والصمت الخائف، وفيما يستأسد دعاة الجهل والجاهلية والجهالة، يأتي ضوء مبهر في هذا النفق المعتم.
شاب يتدفق حيوية د. عبد الله شلبي زارني ليقدم لي مخطوطاً بعنوان “الدين والصراع الاجتماعي في مصر (1970-1985) وتصفحت المخطوط بهدف التعرف الأولي على الكاتب والكتاب، فإذا بي انغمس فيه بكليتي، وإذا بهذا العقل الشاب يحتويني ليمنحني الإصرار على مواصلة القراءة غير المنقطعة من أول سطر حتى السطر الأخير..
دعوني أيها المصريون، أيها العرب، ويا من قلتم عن أنفسكم أنكم مستنيرون ثم اكتفيتم بالتأويل الصامت، والقول الخائف، والتأويل اللولبي، دعوني أقدم لكم مفكراً شجاعاً، قادراً على إعمال العقل، وداعيا إلى التمسك بالعقل كمعيار أساسي للحقيقة..
ومهما حاولت أن أعبر عن إعجابي أو حتى انبهاري بالكاتب والكتاب فلن أستطيع.. ويبقى أن أقدم لكم مجرد لمحات من فكر هو ثمرة للعقل العاقل الذي لا يقبل أي قيد سوى العقل ذاته..
وتعالوا نقرأ ما يبدأ أولاً بإدانة أجهزة الحكم: “يقوم الدين كعنصر فعال وأساسي في بنية أجهزة الدولة الأيديولوجية حيث نلاحظ استخداماً مطرداً للرموز والمقولات الدينية كأدوات أساسية في تبرير السياسات والممارسات وإضفاء المشروعية عليهما، وفي المقابل فإن حركات التأسلم السياسي تعتمد على ذات المنهج في تبرير مقولاتها وإدعاءاتها.
ويتوقف بنا الباحث أمام هزيمة يونيو 1967 حيث “يبدأ عصر الإنكسار والجذر، وهو العهد الذي شهد ضعف الدولة الوطنية واهتراء إرادتها في مواجهة القوة الخارجية في الوقت الذي أصبحت فيه أكثر شراسة في قمع معارضيها في الداخل، وفشلت مخططات التنمية وأجهضت مساعيها لإقرار العدل وتحقيق الاستقلال في حين نجحت سياسات الاحتواء والهيمنة الغربية في إعادة ترتيب الأوضاع لصالحها”. وفي هذا الوقت تقدمت قوى التأسلم السياسي لتحاول أن تفرض مشروعها الذي يقوم على إنكار الآخر واتهامه بالكفر، واستخدام العنف ضده.
وبالمقابل يؤكد الباحث: “أنتفاء الجرأة والجسارة على اقتحام المحرمات الثقافية وانتهاك قدسيتها المزعومة، والتي كانت ولا تزال واحدة من بين عوامل أخرى عديدة تحول بيننا وبين استيعاب وتمثل ما قامت عليه الحضارة الحديثة من استنارة وعقلانية ونقد صارم لكل ما هو موجود”. ويقول: “استناداً إلى ذلك يصبح القول بأن العرب قد تأثروا بالتنوير الأوروبي، وبأنهم شهدوا عصر تنوير، قولاً مشكوكاً في صحته، فالصحيح هو غياب التنوير لغياب العقل الناقد القادر على كشف جذور الأوهام والمحرمات التي يُزعم أنها ذات أساس ديني، والتي تتضافر مع عوامل أخرى عديدة في تكريس التخلف وفي إعادة إنتاجه، وشاهد على ما ذهبنا إليه أن دُعاة التنوير في العالم العربي منذ علي عبد الرازق، وطه حسين، ومروا بلطفي السيد، وسلامة موسى، وشلبي شميل، وفرح انطون، وصولاً إلى لويس عوض ونجيب محفوظ وغيرهم، صودرت كتبهم وتعرضوا للمحاكمات والفصل، فوئدت أعمالهم وهي لم تزل في المهد، ووصل الأمر إلى حد المطالبة بإقامة حد الردة عليهم وقتلهم بدعوى كفرهم.. فضلاً عن أن دعوى التنوير لم تتجاوز أصحابها لتصبح تياراً فعالاً في المجتمع بأسره.
ولعل العبارة الأخيرة تتضمن لوماً وتقريعاً لنا جميعاً نحن الذين نقول بالاستنارة همساً وندعو إلى أعمال العقل في وجل.
صحيح أن الإرهاب المتأسلم يوجه سهامه المسمومة وتهديداته المحمومة.. إذ يقول الباحث: “وترى الجماعات الأصولية الدينية في مشروعاتها أن دولتهم المقبلة ستكون مهمتها الأساسية وأول واجباتها هو إبادة أعداء الله، ووضع “الكفار” أمام خيارات اعتناق معتقدهم هم أو مانعرف من تهديدات وإرهاب وتخويف..”
ومن ثم يقول الباحث” “فالجماعات الأصولية الدينية تحمل إمكانيات تطور فاشي جديد لا يتسامح مع الاختلاف وتسعى لإجبار المجتمع بكامله على الإذعان لتصوراتها، وتنفي التنوع و التعديدية.. وتتأهب على نحو مستمر ودائم لاستخدام العنف والإرهاب والتصفية الجسدية في التعامل مع المخالفين والخصوم والمعارضين لمشروعها وهذا العنف والإرهاب والقتل يتم تبريره بدعاوي عنصرية ودينية زائفة”.
لكن هذا الإرهاب المتأسلم يجب ألا يخيفنا، بل العكس فإنه وكلما ازدادت شراسته وجرائمه يدعونا أكثر فأكثر إلى مواجهته بحسم وفاعلية وشجاعة دفاعاً عن عقلنا وشعبنا ووطننا ومستقبلنا.
ويبقى أن نوجه التحية للباحث الشاب.. وأن نتمنى أن يتجسد هذا المخطوط كتاباً يضيء النفق المظلم.



