تحقيقات ومقالات

أمجد وهيب عزيز يكتب.. “مغامرة النسانيس”

أمجد وهيب عزيز يكتب.. “مغامرة النسانيس”
_____

أسطورة قديمة تحكي عن صياد كان يربي مجموعة من النسانيس، وذات يوم أراد أن يذهب إلى رحلة جبلية للصيد برفقة نسانيسه لكي يمهدوا له الطريق أثناء التسلق، وبالفعل نجح في اعتلاء أعلى قمة جبلية ثم جلس بعدها للأسترخاء إلا أن النسانيس لم تكل أو تمل من ذلك المشوار المرهق، فبعد أن جلس للراحة جاع أخيراََ فأخرج الطعام والشراب ودواءه وبينما يأكل بعد أن أعد الغذاء الآخر للنسانيس حدث تشابك بالعراك بينهما، وبينما يفض الإشتباك قفز أحدهما على صينية الطعام فقلب كل ماعليها، أما الآخر فظل يلتقط الطعام من الأرض ويلقيها على زميله، وآخر اخذاََ جركن الماء ورشه على زملائه حتى افضاه ، وبين هذا وذاك ظل الصياد حائراََ بينهما وأخيراََ أخرج بندقيته ليفرق جمعهما، فخطف إحدى النسانيس سلاحه وصوبه على نفسه وداس على زنده فقتل نفسه في الحال! وقد تناوب كل منهما في تقليد زميله حتى انتحروا جميعاََ، فانتابت الصياد حاله هيستيرية فظل يصرخ محدثاََ نفسه ولائماََ “مات الناس وبقي النسناس” .. المغزى من القصة هي في الإختيار الصائب للصديق أو الصاحب، وكما يقول المثل “عدوٌ عاقل خيرٌ من صديق جاهل”..وأن كان ذلك المثل الشعبي لايصلح في أغلب الإختبارات، لكنها حكمة أزلية صاغتها التجارب الإنسانية، وتوارثتها الأجيال لتعكس جوهر العلاقات البشرية وعواقب الاختيارات العشوائية في مسيرة الحياة، إنها معضلة الأختيار والتبعية العمياء،
إن العمق الحقيقي لهذه الأسطورة يتجاوز حدود الفكاهة أو الإشفاق على الصياد، ليمس بوضوح معيار الاختيار الصائب للصديق أو الرفيق، فالرفقة ليست مجرد تسلية أو حضور بلا معنى ، بل هي توافق عقلي وأنساني ، النسانيس في هذه القصة تمثل نمط “التابع الجاهل” الذي يقلد دون وعي، ويدمر من حيث أراد النفع، إنهم يجسدون التبعية العمياء والاندفاع الغريزي الذي يفتقر إلى البصيرة، النسناس في الميثولوجيا المصرية القديمة كان رمزاً للحكمة، والمعرفة، والكتابة في صورة الإله “تحوتي”، هذا التناقض الظاهري بين قدسية الرمز في الماضي ورعونته في الأسطورة السابقة، يؤكد حقيقة جوهرية.. إن ما يميز الإنسان ويعطيه السيادة والقدرة على البناء والتشييد والتخطيط هو “العقل المفكر المستنتج”، وليس الرمز الروحاني المجرد،
لقد صنع المصري القديم من الحيوانات رموزاً وأضفى عليها صفات إلهية أعجب بها خلال رحلته الطويلة والمعقدة للبحث عن الخالق؛ فكان يرى في صفات بعض الحيوانات انعكاساً لقوى عليا. لكنه مع تطور وعيه العقلي، أدرك أن هذه المعبودات والرموز لم تكن هي الخلاص بحد ذاتها، بل كانت مجرد جسر يرى من خلال صحبته قرباً من الإله الواحد. فالرموز دلائل روحانية تلهم الوجدان، أما التطبيق العملي وإدارة شؤون الحياة والنجاة من الأزمات فهو شأن العقل المفكر وحده الذي يزن الأمور بميزان التجربة والمنطق، لذلك فأن العقل هو طوق النجاة الحامي من غرق الجهل إلى رحاب الأفق المتسعة وانتصاراََ للحلول الغير تقليدية،
ستظل قصة الصياد ونسانيسه درساً بليغاً لكل زمان ومكان، إنها تذكرنا بأن العيش في عالم محكوم بالتقليد الأعمى والجهل يقود حتماً إلى الهلاك الجماعي، فلكي تبني شعب وحضارة ، وتؤمن مسيرتك الشخصية، لا بد لك من إعمال العقل والمنطق ، وأختيار الرفقة القائمة على الوعي والإدراك، أهل العلم، وأهل الثقة، وأهل الخبرة والحكمة، أسوار الأمن والسلام، ومن يؤتمنون على الأسرار ولايخونون، وحتى في العداء فأن خلافهم واضح وصريح لايتلونون، هؤلاء اللذين يكتبون النهايات السعيدة للبشرية ، فالرموز تمنحنا الأمل، ولكن العقل الواعي هو الصديق الحكيم الذي لاغني عنه أبدا، وهو من يقودنا إلى شاطئ النجاة، وبه الخلاص الحقيقي من أي تجارب وصحبة وأختيارات فاشلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى