نصر العاشر من رمضان… حين توضأت الكرامة بدم الأبطال

نصر العاشر من رمضان… حين توضأت الكرامة بدم الأبطال
بيتر سمير
في العاشر من رمضان، لم يكن النهار نهارًا عاديًا، بل صفحةً بيضاء قررت الأمة أن تكتب عليها اسمها من جديد.
كانت الشمس تميل فوق قناة السويس، والجنود صائمين، لكن القلوب ممتلئة بإفطارٍ من يقين. لم تكن البنادق وحدها من تتأهب، بل كانت الروح العربية بأكملها تستعد لتسترد صوتها.
هناك، على ضفاف الماء، وقف التاريخ مترددًا لحظة، ثم انحنى احترامًا لإرادةٍ قررت أن تعبر.
ففي السادس من أكتوبر 1973، الموافق للعاشر من رمضان 1393هـ، انطلقت الحرب بقيادة الرئيس محمد أنور السادات، في مواجهة حكومة جولدا مائير، لتتحول المعركة من صراع حدود إلى ملحمة كرامة.
لم يكن تحطيم خط بارليف مجرد ثغرة في ساترٍ ترابي، بل شقًّا في جدار اليأس.
المياه التي اندفعت نحو الرمل لم تكن ماءً فقط، بل كانت عزيمةً سالت لتغسل آثار الهزيمة القديمة.
وفي اللحظة التي ارتفع فيها العلم على الضفة الشرقية، لم يرتفع قماشٌ ملوّن فحسب، بل ارتفعت أمة كانت تبحث عن صورتها في مرآة التاريخ.
كان الصيام في ذلك اليوم معنىً آخر للانضباط، للصبر، للتجرد.
جسدٌ يمتنع عن الماء، لكنه لا يمتنع عن التضحية.
قلبٌ يخفق بذكر الله، ويدٌ تمسك بالسلاح، وعينٌ ترى في العبور وعدًا لا رجعة عنه.
ولم تكن مصر وحدها في تلك اللحظة.
في الجبهة السورية، كان الدم العربي يكتب السطر ذاته بلغةٍ أخرى.
وفي العواصم، كانت القرارات تتحرك كأنها ظلال لمعركةٍ أكبر، معركة استعادة التوازن، واسترداد الصوت، وإعادة تعريف القوة.
العاشر من رمضان لم يمنح الأمة نصرًا عسكريًا فقط، بل منحها حق الحلم من جديد.
قال لها إن الهزيمة ليست نهاية الرواية، وإن الشعوب التي تتقن الصبر تعرف كيف تتقن الانتصار.
قال لها إن المستحيل ليس جدارًا، بل فكرة تنتظر من يجرؤ على كسرها.
ومنذ ذلك اليوم، صار العاشر من رمضان موعدًا سنويًا مع الكرامة.
يأتي كل عام ليذكرنا أن في هذه الأرض رجالًا إذا صاموا صبروا، وإذا عزموا عبروا، وإذا وعدوا أوفوا.
هو يوم العزة،
يوم توضأت فيه الأرض بدم الشهداء،
وتزين فيه الأفق برايةٍ تقول إن الكرامة لا تموت،
وأن الأمة العربية، مهما طال ليلها، تعرف طريق الفجر



