تحقيقات ومقالات

محمد باقر قاليباف الرجل الذي يتحدث مع الأمريكان

الرجل الذي يتحدث مع الأمريكان!

محمد باقر قاليباف
“من قائد في الحرس الثوري إلى أقوى رجل في إيران”
البطاقة التعريفية
الاسم: محمد باقر قاليباف (Ghalibaf)
تاريخ الميلاد: 23 أغسطس 1961
مكان الميلاد: طُرقبة، محافظة خراسان، إيران
العمر: 64 عامًا
المنصب الحالي: رئيس مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) منذ 2020
الوصف: شخصية مؤسسية في السياسة الإيرانية، معروف بأسلوبه البراغماتي في الإدارة، وهو من أبرز الشخصيات غير الدينية في النظام

المسيرة العسكرية
بدأ قاليباف مسيرته في صفوف الحرس الثوري الإسلامي خلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988). تدرج في المناصب العسكرية حتى أصبح قائدًا للقوة الجوفضائية للحرس الثوري – وهو منصب استراتيجي يشرف على الصواريخ البالستية والمسيّرات، أي السلاح الرئيسي الذي تستخدمه إيران حاليًا في الحرب.
هذه الخلفية العسكرية تجعله يفهم تمامًا القدرات والحدود العسكرية الإيرانية، وتمنحه مصداقية لدى قادة الحرس الثوري عندما يتعلق الأمر بقرارات الحرب والسلم. وهو طيار مؤهل يتباهى بقدرته على قيادة الطائرات العملاقة.
المسيرة الأمنية
بعد المرحلة العسكرية، تولى قاليباف قيادة شرطة طهران في فترة حساسة شهدت احتجاجات طلابية عام 1999. اتُهم بدور مباشر في قمع تلك الاحتجاجات بالقوة. خلال هذه الفترة، كُشف عن تسجيل صوتي له في اجتماع لمجلس الأمن القومي يهدد فيه بالسماح لقوات الأمن باقتحام الجامعات واستخدام القوة قائلاً: “سأسحق أي شخص”.
هذا الجانب القمعي يكشف عن شخصية لا تتردد في استخدام العنف لتحقيق أهداف النظام – وهو ما يفسر قدرته على إدارة الحرب الحالية بيد من حديد.
عمدة طهران (2005-2017): 12 عامًا من السلطة والجدل
شغل قاليباف منصب عمدة طهران لمدة 12 عامًا متواصلة، في فترة تميزت بمشاريع تطوير حضري ضخمة ولكنها أيضًا شابتها فضائح فساد مالي كبيرة. المؤيدون أشادوا بأسلوبه التكنوقراطي في إدارة المدينة، لكن المنتقدين أشاروا إلى اتهامات بسحب أموال لحملاته الانتخابية واستثمار أصول صندوق احتياطي الموظفين في مشاريع فاسدة.
نائبه عيسى شريفي الذي خدم معه 10 سنوات فرّ من البلاد عندما بدأت تظهر اتهامات الفساد، ثم اعتُقل عند عودته بتهمة “فساد مالي خطير”.
رئاسة البرلمان (2020-الآن)
انتُخب رئيسًا للبرلمان في مايو 2020 خلفًا لعلي لاريجاني الذي كان أطول رئيس برلمان خدمة في تاريخ الجمهورية الإسلامية. يقود الجناح المتشدد في البرلمان الجديد. بصفته رئيسًا لأحد الفروع الثلاثة للسلطة، يشغل مقعدًا في مجلس الأمن القومي الأعلى والمجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي – مما يمنحه نفوذًا يتجاوز بكثير الدور البرلماني التقليدي.
الطموح الرئاسي المتكرر:
ترشح قاليباف للرئاسة في عدة مناسبات: في 2005 خسر أمام أحمدي نجاد الذي كان مغمورًا آنذاك، وفي 2013 و2017 لم ينجح أيضًا. وفي 2024 ترشح مجددًا في الانتخابات التي أعقبت مقتل إبراهيم رئيسي لكنه خسر أمام مسعود بزشكيان. هذا الطموح المتكرر يكشف عن رجل يسعى للسلطة العليا بإصرار – والحرب الحالية قد تكون فرصته التاريخية.

دوره في قمع احتجاجات يناير 2026:
هذا هو الفصل الأكثر قتامة في ملف قاليباف. بصفته عضوًا في مجلس الأمن القومي الأعلى، كان شريكًا مباشرًا في القرارات التي أدت لمقتل الآلاف من المتظاهرين في أكبر احتجاجات شهدتها إيران منذ ثورة 1979.
منظمات حقوق الإنسان وثّقت مقتل أكثر من 12,000 شخص في هذه الاحتجاجات، ووصفتها بالمذبحة. القتل تم بأمر مباشر من المرشد الأعلى علي خامنئي بعلم وموافقة رؤساء الفروع الثلاثة للسلطة – بما فيهم قاليباف. أمر إطلاق النار الحي صدر من مجلس الأمن القومي الذي كان عضوًا فيه.
هذه الخلفية الدموية تطرح سؤالاً جوهريًا: هل يمكن لرجل متهم بالمشاركة في قتل الآلاف من شعبه أن يكون شريكًا في صنع السلام؟ الإجابة البراغماتية – التي يتبناها ترامب على الأرجح – هي أن التفاوض يتم مع من يملك السلطة، لا مع من يملك الأخلاق.
علاقته بمجتبى خامنئي:
يبدو أن قاليباف حليف قوي للمرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي. هذا التحالف منطقي: مجتبى يحتاج لرجل قوي يدير شؤون الحرب ويملأ الفراغ العلني الذي يتركه اختفاؤه، وقاليباف يحتاج لشرعية المرشد الأعلى ليعزز موقعه. إنها علاقة تكافلية بين ضعيفين يشكلان معًا قوة: المرشد الغائب والقائد الحاضر.

رابعاً: دوره في الحرب الحالية:
“قاليباف يدير الحرب بالنهار ويفاوض بالليل”

منذ بداية الحرب في 28 فبراير، وضع قاليباف نفسه في قلب المشهد. بينما اختفى الرئيس بزشكيان عن الواجهة واكتفى المرشد الجديد بالبيانات المكتوبة، تولى قاليباف فعليًا قيادة الخطاب العام وإدارة التصعيد. تصريحاته تتراوح بين التهديد المباشر والتفاوض الضمني:

في تصريح للتلفزيون الإيراني قال: “نحن في حرب غير متكافئة، بإعدادات غير متماثلة، يجب أن نفعل شيئًا ونستخدم معدات بثقافتنا وتصميمنا وإبداعنا”.
في مقابلة مسجلة نقلتها وكالة تسنيم قال: “النظام هنا سيتغير، لكنه لن يكون نظامًا تسود فيه إرادة الولايات المتحدة”.
ندد بدورة التفاوض يعقبها هجوم عسكري قائلاً: “يجب أن يعلموا (الولايات المتحدة وإسرائيل) أننا لم نعد نقبل هذه الدورة”.
في منشور على إكس قال: “الضربات الساحقة للقوات المسلحة الإيرانية في أنحاء المنطقة، إلى جانب الحضور الشعبي الكاسر، أجبرت العدو على الركوع. بالوحدة الوطنية والصمود، النصر قريب”.
هدد بأن البنية التحتية الحيوية ومنشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه في دول الخليج “ستُدمر بشكل لا رجعة فيه” إذا استُهدفت محطات الطاقة الإيرانية.
خريطة التهديد:
وكالة مهر الإيرانية شبه الرسمية نشرت خريطة لمحطات الكهرباء في دول الخليج مع تحذير: “قولوا وداعًا للكهرباء” – في إشارة واضحة لقدرة إيران على ضرب شبكات الطاقة الخليجية. هذا النوع من التهديدات المباشرة يحمل بصمات قاليباف الذي جمع بين الخطاب العسكري الحازم والرسائل المبطنة بالاستعداد للتفاوض.

ماذا يعني أن يكون قاليباف هو المحاور للأمريكان؟

السيناريو الأول: التفاوض الحقيقي
إذا كان قاليباف يتفاوض فعلاً مع واشنطن عبر وسطاء، فهذا يعني أن مركز صنع القرار في إيران انتقل فعليًا من مؤسسة المرشد الأعلى إلى البرلمان والحرس الثوري. قاليباف بخلفيته العسكرية يمكنه تقديم التزامات بوقف العمليات العسكرية بمصداقية أكبر من أي سياسي مدني. وبصفته رئيس البرلمان يمكنه تمرير أي اتفاق عبر المؤسسة التشريعية.
السيناريو الثاني: بناء السلطة الشخصية:
الاحتمال الأقوى أن قاليباف يستخدم الحرب والتفاوض معًا لبناء مسار شخصي نحو السلطة العليا. هو الرجل الذي فشل في الوصول للرئاسة أربع مرات، والآن الحرب تمنحه فرصة تاريخية ليكون “المنقذ” – الرجل الذي أدار الحرب ثم صنع السلام. إذا نجح التفاوض، سيصبح البطل القومي. وإذا فشل، سيكون الجنرال الذي قاد المعركة.
السيناريو الثالث: واجهة للحرس الثوري
لا يمكن استبعاد أن قاليباف يعمل كواجهة سياسية لقيادة الحرس الثوري التي تدير الحرب من خلف الكواليس. في هذه الحالة، أي تفاوض عبره سيكون محدود الأثر ما لم يحظَ بموافقة القيادة العليا للحرس – وهي جهة لا ترغب عادة في تقديم تنازلات.

أخيرا: لماذا يقبل ترامب التفاوض مع قاليباف؟
ترامب رجل أعمال يفضل التعامل مع “الرجال الأقوياء” لا مع المؤسسات المعقدة. قاليباف يقدم نفسه كـ”الرجل القوي” الذي يملك مفاتيح الحرب والسلم. هذا يتوافق تمامًا مع أسلوب ترامب في التفاوض: اعثر على صانع القرار الحقيقي وتحدث معه مباشرة.
لكن الخطر هو أن قاليباف قد لا يكون صانع القرار النهائي فعلاً. فالحرس الثوري، ومجتبى خامنئي من خلف الستار، ومراكز القوى الأخرى في النظام الإيراني – كل هؤلاء قد يكون لهم كلمة أخيرة مختلفة. وترامب الذي يبحث عن “صفقة” سريعة قد يجد نفسه يتفاوض مع الشخص الخطأ.

هل نشهد ولادة “حاكم إيران الفعلي” الجديد؟
ما يجري الآن قد يكون أكبر من مجرد تفاوض لوقف حرب. قد نكون أمام إعادة ترتيب كاملة للسلطة في إيران. مجتبى خامنئي مرشد غائب ضعيف، بزشكيان رئيس مهمش، لاريجاني اغتيل. الرجل الوحيد الذي يملأ كل الفراغات – عسكريًا وسياسيًا وإعلاميًا ودبلوماسيًا – هو قاليباف.
إذا نجح في إنهاء الحرب بشروط مقبولة، سيكون الرجل الأقوى في تاريخ الجمهورية الإسلامية بعد خميني وخامنئي الأب. وإذا فشل، فإيران ستدخل مرحلة صراع سلطة داخلي قد يكون أخطر من الحرب نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى