ستيفانو كوزين: أول إيطالي يصل إلى فلسطين وقائد نهضة جزر القمر – حوار

تروي هذه المقابلة مسيرة مدرب إيطالي خاض مغامرات عبر قارات متعددة، ليجمع بين الثقافة الكروية الأوروبية والتحديات القارية والشرق أوسطية، ويثبت قدرته على بناء فرق من الصفر وإبراز إمكانياتها في ظروف مختلفة.
رحلة ستيفانو كوزين: مدرب إيطالي يحيي الفرق العربية والإفريقية
تimag أن تصبح مدرباً؟
لم أفكر في أن يصبح التدريب هدفاً رسمياً في طفولتي؛ كان الناس من حولي هم من يطلبون ذلك. تجربتي الأولى كانت في روْيان، فرنسا، حين حَلّ محلي مكان مدرب مريض لبضعة أسابيع، رغم أنني كنت لاعبا في الفريق الأول. عند عودتي لإيطاليا، لاحظت أن شقيق خطيبتي يلعب مع فريق يخسر باستمرار فطلب مني النادي أن أتولى التدريب. نجحت الفكرة وتواصلت الأندية معي تدريجيّاً، فبدأت رحلتي المهنية. أدركت أن التدريب يمنحني سعادة تفوق اللعب، فتركْت مسيرتي كلاعب حين بلغت 27 عاماً وبدأت بالعمل التدريبي، وأوليت التدريب اهتماماً حقيقياً عبر قراءة الكتب ومشاهدة الدورات والتأهيل المستمر.
ما هي اللحظة الحاسمة في مسيرتك التدريبية؟
اللحظة الفارقة كانت عندما أدركت أن التدريب يمكن أن يصبح عملاً يتطلب التزاماً كاملاً. في تلك الفترة كنت أمتلك أنشطة تجارية ورجل أعمال، فقررت بيعها وانطلقت إلى الكاميرون لأبدأ مشواري التدريبي بشكل جدي، وهكذا اشتعلت المسيرة فعلياً.
كيف تعاملت عائلتك مع السفر للتدريب في بلدان متعددة؟
سافرت كثيراً ودائمة ما شاركت عائلتي الرحلات، خاصة وأن لدي طفلًا صغير في تلك الفترة. كانت العائلة تلازمني من السعودية إلى ليبيا، ثم الإمارات، وهو أمر أثرى حياتنا بتعدد الثقافات. ابني درس في مدارس الرياض ودبي، وهو يتحدث الإنجليزية والفرنسية والإيطالية بطلاقة. زوجتي السابقة كانت تحب السفر أيضاً، لكن كثرة التنقل أحياناً جلب مشاكل، خصوصاً عند وجود وجهات مثل إيران لا يمكن اصطحاب العائلة إليها. التدريب مه̈م لكنه يفرض تعباً مهنياً، ويحتاج للحظّة مناسبة من الشريك الداعم دائماً.
تجربتك في الكاميرون مع منتخب الشباب 20 عاماً؟
كانت فترة بنائية وتطويرية. كنت آتي من ثقافة تكتيكية متقدمة من إيطاليا، وواجهت مواهب كبيرة في مجموعة صعبة من حيث الموارد والملاعب. تعلّمت كيف أغيّر طريقتي في الرؤية، وأن أصبح فعلاً جزءاً من ثقافة البلد كي يمكنني قيادة الفريق بنجاح. الفهم العميق للثقافة والعقلية المحلية هو الطريق لتحقيق النتائج، خصوصاً في الدول العربية حيث أشعر بالراحة بفضل التقدير واللغة والتقاليد العائلية الجميلة.
ما الذي اختلف في تجربتك في الكونغو؟
في الكونغو كنت مديراً فنياً لفريق تحت 20 عاماً فاز ببطولة كأس إفريقيا. كان الوضع صعباً لأن الاتحاد لم يكن يدفع الرواتب، ما شكل تحدياً إضافياً. ومع ذلك، برزت من هذه التجربة طبقة من الصلابة لدى المدرب الشاب عندما يواجه الصعوبات ويحولها إلى فرصة للنمو.
أنت أول مدرب إيطالي في فلسطين مع أهلي الخليل — حدثنا عن التجربة؟
فلسطين كانت تجربة سردية وإنسانية سحرية. في الخليل، بدأنا مع وجود مدرب إيطالي ومعدّ بدني، واعتمدنا أسلوباً مختلفاً تماماً، فكان هناك تجاوب كبير من اللاعبين والبلد. عِشتُ في الخليل وترددنا إلى القدس وبيت لحم وشمال البلاد، فكان الاستقبال حاراً. فزنا بكأس الدوري ثم بالكأس الوطنية، وتحقيقنا السوبر الفلسطيني، والسفر إلى غزة لمواجهة بطلها في الذهاب والإياب وفزنا أيضاً بالسوبر. خلال عشرة أشهر حصدنا أربعة ألقاب وارتقينا من مركز متأخر إلى اللعب في دوري أبطال آسيا. كانت مغامرة إنسانية ريادية لا تُنسى، وما زلت أحتفظ بأصدقاء وإخوة هناك حتى اليوم. أشكر الله على هذه الحياة الرائعة.
أيها اللحظات أكثر سعادة في مسيرتك؟ الفوز بالدوري الليبي مع الاتحاد أم التأهل إلى دوري أبطال آسيا مع النصر؟
بدون شك، الفوز بالدوري الليبي مع الاتحاد طرابلس. ليبيا تملك شغفاً هائلاً لكرة القدم، وتاريخاً حافلاً من الدعم الجماهيري والتحديات، خصوصاً في مدينة مثل طرابلس حيث كان للاتحاد حضور قوي ومشجعين كثيرين. كان هناك ديربي خاص وعاطفة جماهيرية لا تُنسى، ونشوة الفوز بدت عظيمة عندما تغلبنا على المنافسين وحققنا اللقب.
لماذا تركت جنوب السودان وتقدمت لتدريب جزر القمر؟
انتهى عقدي مع جنوب السودان ورغم أنه كان هناك تقدم في النتائج، إلا أن بنية المؤسسة والموارد كانت محدودة. رغبت في تحدٍ جديد ورؤية أوسع، فتوصلت إلى عروض من عدة منتخبات، وأعجبني استقلالية رئيس اتحاد جزر القمر الذي منحني صلاحيات كاملة كمدرب ومدير عام. هدفنا كان إعادة بناء الفريق من الأساس، وبات هناك عمل بحثي مكثف عن لاعبين من أصول قمرية في أوروبا، وبناء مشروع يفضي إلى التأهل إلى كأس الأمم الإفريقية كأول مجموعة، وهو ما تحقق عبر تصدر المجموعة بلا هزائم عندما ضمّتنا تونس ومدغشقر وغامبيا.
هل كأس العرب كان يمهّد الطريق لأمم إفريقيا؟
بالواقع لا. كأس العرب لم يكن ضمن تواريخ الفيفا، لذا لم نستدعِ نجوم الأندية، واكتفينا بفريق رديف. وجود ثلاثة أو أربعة لاعبين بدلاء أمر مؤسف، لكنه بطولة جميلة بتنظيم رائع وتوفير بنية تحتية ممتازة. ولو امتلكنا التشكيلة الأساسية لكان بإمكاننا تقديم مستوى أقوى. بطبيعتها التنظيمية كانت البطولة ممتازة، لكن مستوى الفرق الكبرى في الشرق الأوسط مرتفع نسبياً نظراً لاعتمادها على لاعبين محليين كثيري العدد.
ختاماً.. ما أقوى اللحظات وأصعبها في مسيرتك؟
كرة القدم تشبه الحياة: فيها فرح وفيها تحديات. لا أتأثر كثيراً بالفرح الزائد عندما تمضي الأمور كما ينبغي، ولا أذوب عندما تسير عكس ذلك. هناك لحظات سعيدة كثيرة، منها النجاح في فلسطين وليبيا وقبرص وإنجلترا عندما فزنا في الديربي وتأهلنا إلى أمم إفريقيا. وأشكر الله كل يوم على هذه الحياة الاستثنائية التي منحني إياها. أما الخسائر العظيمة فليست موجودة، فغالباً ما تمكنت من التفوق على فرق أقوى بفضل جهود اللاعبين والجهاز الفني، وهذا الأمر يجعلني ممتنّاً دائماً.




