دليل المواطن

أمجد وهيب عزيز يكتب..
“دليل المواطن”
ـــــــــــــــــــــــــــ
حين يهبط السائح على أرض مطار القاهرة ، يسلم له كتيب صغير كبوصلة تحدد له المسار الصحيح لزيارة سياحية ناجحة،،
ذلك الدليل عبارة عن خريطة ذكية تهدي خطاه إلى أشهر المزارات الأثرية، وترشده إلى أماكن المطاعم والكافيهات، وتوفر عليه عناء الحيرة والتخبط، فهي تمثل مرشداً أميناً يسهل تجواله داخل البلاد ،ويجعله يستمتع بكل لحظة،،
ومن هنا تبرز الفكرة العبقرية والبسيطة في آن واحد: لماذا لا يطبق هذا النموذج أو الكتيب ،في الحياة اليومية،ولكن لصالح “المواطن المصري” في تفاصيل حياته عامة ؟
لو أننا تخيلنا “دليلاً للمواطن” يرافق الإنسان في رحلته اليومية، لتغيرت معادلة التعامل مع الكثير من التفاصيل التي تستهلك طاقته وتستنزف أعصابه، على سبيل المثال، في قطاع التسوق والاستهلاك..
يحتاج المواطن إلى مرجع أو مؤشر واضح لمعرفة السعر العادل للسلع والمنتجات،
وهنا يأتي الدور الأصيل لوزارة التموين والتجارة الداخلية، ورغم إدراكنا لصعوبة إصدار كتيب ورقي ثابت في ظل تقلبات أسعار النولون (تكاليف النقل والشحن) والتغيرات الاقتصادية المتلاحقة، إلا أن البدائل الرقمية والتكنولوجية المتاحة اليوم تذيب كل هذه الصعاب، فالتطبيقات الذكية والمنصات المحدثة باستمرار يمكن أن تلعب دور “المرشد الدليلي”، شريطة أن يتوافق ذلك مع رقابة حاسمة وصارمة على الأسواق، لردع جشع بعض التجار ومواجهة أي محاولات استغلال،
ولا تقتصر الفكرة على الأسواق والسلع فحسب، بل تمتد لتشمل شرايين الخدمات اليومية،والتي بدأ بالفعل إهتمام الدولة المصرية في الوقت الحالي بذلك،سواء في المصالح الحكومية والقطاعات الخدمية المختلفة، لتسهيل مهمة العميل، سواء عبر البوابات والروابط الإلكترونية للتخفيف علي المواطن، وتسهيل العقبات الإدارية وما يتبعها من بيروقراطية،
أن يجد المواطن”دليلاً” إلكترونياً أو ورقياً مبسطاً في كل مصلحة حكومية، إنما يمثل خطوات صحيحة للدولة تجاه مواطنيها ، دون أوراق خفية أو شروط متغيرة تختلف من موظف لآخر،
إن إرساء قواعد الشفافية وإعلان “كتيب حقوق وواجبات المواطن الخدمية” يقضي تماماً على البيروقراطية المقيتة والاجتهادات الشخصية التي تفتح الباب خلف الأبواب المغلقة للفساد والروتين،فلابد من استغلال تلك
الخدمات الذكية في ظل العولمة، والثورة المعرفية والتكنولوجية المرعبة،لكي تتماشي مع الحداثة والتطور دوماً،
إن الانتقال بفكرة “دليل السائح” إلى “دليل المواطن” ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة حتمية لتعزيز وتطوير المجتمع ، وبناء جسور الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فالمواطن الذي يعرف حقه، ويدرك السعر العادل لمعاملاته التسويقية اليومية، ويحفظ خطوات معاملاته الحكومية، هو مواطن مشارك بفعالية في ضبط المجتمع ورقابته الذاتية،
آن الأوان لأن نتحول من ثقافة التخبط والعشوائية إلى ثقافة “الدليل والبوصلة الواضحة” ليبقى المواطن دائماً في صدارة الاهتمام، وليستحق بجدارة خدمات تليق بحجم وطموحات الجمهورية الجديدة،،
فالمرشد الحقيقي له دور في المجتمع علي الاحتواء والإنصات العميق، وأن يمتلك القدرة على الأستماع بوعي وقلب وعقل مفتوح، دون أحكام مسبقة، ليعيد ترتيب أفكارك ويمنحك الطمأنينة والحلول،فبلا شك ذلك المرشد له نظرة بعيدة المدى، لانظرة سطحية،يدرك بواطن الأمور، ويفهم بجذور المشكلات ،لايتعامل مع المشكلة بسطحية،بل يعيد التوازن والطمأنينة لكل من حوله، حيث يوجه صاحب المشكلة ليرى الصورة كاملة بنفسه، ويساعده علي اتخاذ القرار السليم بثقة واستقلالية، باعتباره مرآة صادقة يري من خلاله الحقيقة كاملة،
المرشد ده مهم جداً في حياتنا، وذي كتالوج بيعرف مفاتيح الشخصية كويس،ويعرف يساعد في حل وفك عقد المشكلات لما تعرضها عليه،فالمرشد لابد أن يتحلى بالعقل وبروح التواضع والحكمة، الأسرة الناجحة دوماً مالها مرشد يقود،له خطط مستقبلية في تأمين ونجاح أسرته النواة،وزوجة تبني ولاتهدم ،تدير شئون بيتها وأبنائها بالحكمة والعقل،وأبناء مطيعين، ولابد من مشاركتهم ككيان إنساني عاقل، ولانعاملهم كأطفال بل ككيان إنساني في فترة تدريب وتأهيل نفسي وبدني وتعليمي،
صالح لنفسه ولمجتمعه،
أما المجتمع الكبير فهو مايحتاج دوماً إلي مرشدين من قيادات حكيمة، ذات خبرة،في كل مؤسسات الدولة التعليمية ،والمهنية،والقيادية، لتأسيس وبناء مجتمع صحي ناجح، وأن يكونا لهم إسهامات هادفة من سياسات وقرارات،
وحلول تسهم في إصلاح أي مجتمع فاشل..وهذه هي فكرة “العولمة” أيضاً ،والتي تحتاج إلي “دليلاً من الخبراء” اللذين لايعملون بفكر تقليدي،بل بفكر خارج الصندوق، لمواجهة تحدياتها وبالتالي مسايرتها، لصنع مجتمع أكثر حداثة وتطويراً.



