بيتر سمير يكتب بين صناديق الاقتراع ووعي المواطن.هل تحتاج إنتخابات مجلس النواب إلى مراجعة؟

بين صناديق الاقتراع ووعي المواطن… هل تحتاج إنتخابات مجلس النواب إلى مراجعة؟
لم تعد الانتخابات، في أي دولة، مجرّد إجراءات رسمية تُقام كل عدة أعوام؛ بل أصبحت اختبارًا مباشرًا لمدى ثقة المواطن في مؤسسات الحكم، وقدرة الدولة على إنتاج عملية سياسية تشبه شعبها، وتحترم وعيه، وتؤمن بأن صوته ليس مجرد ورقة، بل شرعية كاملة.
ومع عودة الجدل حول انتخابات مجلس النواب الأخيرة، وما صاحبها – في نظر كثير من المراقبين – من مظاهر خلل وتجاوزات أثارت تساؤلات حول نزاهة المناخ الانتخابي، وجدنا أنفسنا أمام مشهد يعيد للأذهان صورة انتخابات 2010 بما حملته من احتقان، وهي الانتخابات التي تحولت لاحقًا إلى شرارة ساهمت في انفجار أحداث يناير 2011.
ورغم أن الدولة اليوم مختلفة، والمشهد السياسي أكثر تعقيدًا مما كان عليه قبل خمسة عشر عامًا، فإن التشابه في الإحساس الشعبي يبقى عاملًا لا يمكن تجاهله: ذلك الشعور بأن العملية الانتخابية لا تعكس ما يتطلع إليه المواطن من تمثيل حقيقي، أو تنافس عادل، أو مسار يسمح بصوت مختلف أن يجد طريقه إلى البرلمان.
هذا الوضع دفع بعض الأصوات المطّلعة إلى القول إن القيادة السياسية قد تنظر بجدية إلى إعادة تقييم العملية الانتخابية برمتها إذا ثبت أن ما جرى لا يعبر عن إرادة الناس، وأن استمرار المشهد على حاله قد يجرّ البلاد إلى حالة من التوتر الاجتماعي والسياسي لا أحد يرغب في عودتها. وهو تقدير، إن صحّ، يعكس إدراكًا عميقًا لأهمية احترام المواطن قبل احترام أي إجراء.
فالمواطن المصري – بعد كل ما مرّ به من تحولات، وانكسارات، وصعود وهبوط – أصبح اليوم أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على التمييز بين انتخابات حقيقية تُسمع صوته، وبين انتخابات شكلية تُطلب منه المشاركة فيها دون أن يشعر أن لاختياره وزنًا حقيقيًا.
إن أنضج ما يمكن أن تقدمه الدولة للمواطن هو الاعتراف بأن صوته هو البوصلة، وأن شرعية أي مؤسسة سياسية لن تكتمل إلا حين يشعر الناخب أن قراره هو الذي صنعها. المواطن يريد انتخابات يتنافس فيها المختلفون، ويخسر فيها من يخسر، ويفوز فيها من يفوز، دون كواليس أو حسابات ضيقة.
ولعل أهم درس من دروس التاريخ السياسي المصري هو أنّ تجاهل المزاج العام، أو التقليل من قيمة رأي المواطن، كان دائمًا بداية أزمة. أمّا احترام إرادته، وإعادة النظر في أي عملية انتخابية يحيط بها شك أو اعتراض، فهو الطريق الوحيد الذي يضمن الاستقرار، ويصنع دولة قوية تستمد قوتها من شعبها لا من أرقام تُعلن ولا يثق بها أحد.
في النهاية…
إذا كان المواطن المصري يستحق شيئًا اليوم، فهو أن يرى أن صوته ليس مجرد إجراء، بل قيمة؛ قيمة تُصنع بها القيادات، ويُرسم بها مستقبل البلد. فالديمقراطية ليست صندوقًا فقط، بل إحساسًا بأن هذا الصندوق يعني شيئًا بالفعل


