أمجد وهيب عزيز يكتب.. “أستثمار الوزارات في كيفية أستثمار مواردها وخدماتها”

أمجد وهيب عزيز يكتب..
“أستثمار الوزارات في كيفية أستثمار مواردها وخدماتها”
_____
تُعد منظومة الشكاوى الحكومية “الخطوط الساخنة” وسيلة سريعة لتلقي واستقبال استغاثات المواطنين والرد الفوري عليها، وهي جزء لا يتجزأ من الوسائل التكنولوجية الحديثة التي تستهدف مواجهة التحديات الرقمية وتطوير الجهاز الإداري. ورغم أن هذه المنظومة وحساباتها الإلكترونية تمثل قناة تواصل مباشرة لحل مشكلات المواطنين أولاً بأول، إلا أن علامة الاستفهام الكبرى تظل قائمة..ما فائدة الحلول المؤقتة والشكلية التي تستنزف الكثير من ميزانيات الدولة دون علاج جذري؟
على سبيل المثال؛ في ملف مكافحة “الناموس والآفات” التي تؤرق المواطنين، نجد أن طرق المعالجة التقليدية بالرش لا تعمل بصفة مستمرة، فضلاً عن افتقار آليات المكافحة للمتابعة الدقيقة لصلاحية المواد الكيماوية المستخدمة، مما يجعل تأثيرها غير كافٍ في كثير من الأحيان، كذلك الأمر في “ظاهرة كلاب الشوارع الضالة”، حيث يبدو موقف الهيئات البيطرية متضارباً؛ فبين حديث عن توفير مأوى آمن لها، وبين استفحال تكاثرها في مختلف المناطق لأمر غريب، فالحلول للأسف لاتتناسب مع القضاء على الظاهرة، بالرغم لو أُديرت تلك الظاهرة بحرفية استثمارية لدرّت دخلاً كبيراً؛ فتهجين تلك السلالات بلدية المنشأ وتصديرها يمثل دخلاً قومياً ذكياً يدعم المأوى ويحمي المارة في آن واحد.
إن ما يثير الأسى هو انتهاء صلاحية بعض الأمصال والتحصينات في المخازن دون استفادة، وهو ما يعد هدراً للمال العام، بينما يمكن لحسن استثمار وتوزيع هذه الأمصال والأدوية التحصينية عبر المديريات وبأسعار مدعومة أن يجعل قطاعات الطب البيطري من أغنى القطاعات وأكثرها فاعلية وإنتاجية، وما ينطبق على هذا القطاع يمتد بالضرورة إلى باقي المجالات الحيوية،
إننا بحاجة ماسة إلى أفكار “خارج الصندوق” تتجاوز النمطية التقليدية، لكي لا تصبح الوزارات عبئاً مالياً على الدولة. ولا ينبغي أن يقف الطموح الاستثماري عند مكافحة الآفات والطب البيطري فحسب، بل يجب أن يمتد ليشمل منظومة النظافة وتدوير المخلفات؛ تلك المنظومة التي ما زالت تلقي بأعبائها المالية على كاهل الدولة والمواطن دون عائد ملموس. إن القمامة في الفلسفات الاقتصادية الحديثة لم تعد عبئاً يجب التخلص منه، بل هي “منجم استثماري” ثري بالمواد الخام؛ ولو أحسنت المحليات إدارة هذا الملف عبر تدشين مصانع تدوير وطنية متطورة بمشاركة الشباب، لتحولت تلال المخلفات إلى مصادر للطاقة العضوية والأسمدة، ولأصبحت هذه المديريات قطاعات إنتاجية تدر دخلاً وتخلق فرص عمل، بدلاً من الاعتماد على شركات خاصة تتقاضى الملايين دون معالجة جذرية للأزمة، والملف ذاته ينطبق على العشوائيات، والذي ينال دعماً مفتوحاً من “فخامة الرئيس” _”عبد الفتاح السيسي”، حيث يمكن لجهود الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بالتعاون مع القطاعات المدنية صياغة رؤى تحقق النفع المشترك للدولة والمواطن،
إن الانتقال من “العقلية المستهلكة” إلى “العقلية المستثمرة” داخل أروقة الوزارات الخدمية يتطلب فكراً وإدارة حديثة، تتواكب مع آليات العولمة؛ فالموظف والفني يحتاجان إلى بيئة عمل محفزة على الابتكار، وربط الحوافز والمكافآت بنسب النجاح في إدارة الموارد، وتوفير النفقات، ككفيل بإنهاء عصر العمل الروتيني والحلول المؤقتة.
إننا في مرحلة فارقة من تاريخ الوطن، لا تحتمل إهدار فرصة استثمارية واحدة، تفرض التحديات الحالية على كل مسؤول الابتكار، وترك الإدارة التقليدية، ليكون شريكاً بالرؤية والتعاون مع المستثمر الوطني، فالأفكار الابتكارية ليست ترفاً فكرياً، بل هي طوق النجاة لتتحول الوزارات الخدمية من جهات مستنزِفة للميزانية إلى قلاع إنتاجية تدعم الاقتصاد القومي.
وأخيراً..
لا بد أن تتبنى الوزارات دوراً تنموياً من خلال طرح مناقصات مدروسة بدقة، تفي باحتياجات السوق المحلي، وتحقق فائضاً للتصدير عبر عقود انتفاع، وبمدد زمنية محددة، مع تطبيق “مبدأ الحوكمة” وذلك بسحب الأصول فوراً من غير الجادين؛ لضمان استمرار عجلة الإنتاج دون توقف، وبما يضمن للدولة الانتفاع بأصولها وثرواتها وفقاً لشروطها الوطنية، لا شروط المستثمر.


