تحقيقات ومقالات

أمجد وهيب عزيز يكتب.. “بين إرادة البناء وغطرسة الهدم، رؤية فلسفية لمستقبل الشرق أوسط الجديد”

أمجد وهيب عزيز يكتب.. “بين إرادة البناء وغطرسة الهدم، رؤية فلسفية لمستقبل الشرق أوسط الجديد”
_____
هناك مصطلح في علم الإجتماع يعرف ب”أنسنة الوجود” (Humanizing Existence)،وهي فلسفة عميقة تتجاوز مجرد العيش البيولوجي، إلى محاولة صبغ العالم بصبغة إنسانية،هي ببساطة جعل العالم، بكل ما فيه من مادية وتقنية وصراعات، متوافقاً مع القيم والمشاعر والاحتياجات الروحية للبشر، أن تلك الفلسفة تنبثق وتتماشي مع فلسفة “الخالق” في الأديان والفلسفات الوجودية في مبدأ “الخلق البديل ” وهي فلسفة سر الوجود الإلهي للإنسان،وذلك لتعمير الكون وتهيئة الإنسان العاقل الذي يؤسس لذلك الفكر الباني، ككائن وُجد ليبني، وليزرع، وليطور، إنها
( إرادة الحياة)، ف عندما تتحول الدول من “فلسفة العمار” إلى “فلسفة الهيمنة والتملك” ، فهي لا تشن حرباً عسكرية فحسب، بل تعلن “تمردًا وجوديًا” على دورها الحضاري المفترض،
السلام في “بلاد المسالمين” ليس مجرد غياب للحرب، بل هو إعمار إيجابي مستمر، فالدول التي تتبنى السلام كخيار إستراتيجي (مثل تجارب أوروبا وسر نهضتها بعد الحرب العالمية الثانية) تدرك أن القوة الناعمة والابتكار هما اللذان يصنعان “الخلود الحضاري”، أن مانراه الأن من الصراع الدائر بين أمريكا/ وإيران/ واسرائيل/ وتأثير هذا التحالف المدمر على العالم، وعلى سلام الشعوب، وخاصة عندما يكتسي الصراع في الشرق الأوسط طابعاً فلسفياً دينياً، حيث يعتقد كل طرف أنه يمثل “الخير المطلق” في مواجهة “الشر المطلق”، وهذا النوع من الصراعات هو الأخطر، لأنه يلغي إمكانية الحلول الوسط، ويشرعن ل”الهدم الشامل”، ويؤسس لفكرة الحروب المقدسة ، أن فلسفة الهيمنة مقابل المقاومة، فيها تتحول المنطقة إلى “مختبر” لتجربة الأسلحة الفتاكة، مما يحول الإنسان من “رسالة سلام وبناء في الأرض” إلى “ترس في آلة حرب” لا تخدم سوى بقاء الأنظمة السياسية التي تملك الأسلحة الفتاكة ،والتي تحدد خارطة العالم الجديد من منظورها الخاص،أن الدول الكبرى الغربية كالولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وفرنسا وإنجلترا والصين ترى في التحالفات الدولية “المصلحة” التي تعيد العالم إلى حالة “الطبيعة المتناغمة “! والتي وصفها توماس هوبز بأنها “حرب الجميع ضد الجميع”،
فالتهديد بالدمار “سواء نووي أو عسكري أو إقتصادي ” يعني أن البشرية وصلت إلى مرحلة “النهاية ” وهذه هي الغطرسة والهيمنة العالمية، والتي بلا شك ضد فلسفة البناء وتعمير الكون وسلامه، لذلك فالخطر إذا استمر الصراع في التحول من “تنافس سياسي” إلى “تدمير وجودي”، لينهي “فلسفة العمار” التي بدأت منذ آلاف السنين، إن رؤية “بلاد المسالمين” هي صرخة فلسفية لاستعادة بوصلة السلام المفقود، أن الحرب الحالية ليست مجرد صراع على حدود، بل هي اختبار لمدى نضج الإنسان،،
هل سينتصر “العقل الباني” أم ستنتصر “شهوة الهدم”؟
التاريخ يخبرنا أن العلم وحده لا يحمي الدولة إذا غابت “الوحدة الشعبية والإرادة الإصلاحية” والتي بدونها “الإنتحار البيئي” وهذه هي مخلفات الحروب ، والتي دوماََ ماتنتهي بكارثة وجودية،
إن الدول التي تتبنى “فلسفة السلام والبناء” وتجعل من الإنسان غايتها القصوى،ودرع القوة العسكرية في حماية أرضها وشعبها، فهي الفلسفة الحامية لشعوبها من الكسر والسقوط، أما الدول التي تراهن على القوة العسكرية المحضة في غزو العالم، دون اعتبار للقيم الإنسانية الشاملة، فهي تضع نفسها في المسار التاريخي ذاته الذي سلكته الإمبراطوريات الساقطة، لذلك فإذا استمرت أمريكا في تغذية صراعات الشرق الأوسط (إيران وإسرائيل) دون رؤية للسلام الشامل ، فإنها تسرع من عملية “الاستنزاف الوجودي” للعالم، فالقوى التي تنهار عادة هي التي “تتغطرس وترفض التغيير”، أمريكا لا تزال تمتلك “العقل الابتكاري”، لكن “شهوة الهيمنة” قد تعمي هذا العقل عن رؤية الهاوية، أن أكبر خطر يواجه الشعوب هو أن تتحول إلى “وقود” في صراعات لا تخدم مصالحها الحقيقية، أن فلسفة السلام في “بلاد المسالمين” ليست ضعفاً، بل هي قوة فاعلة، فالسلام الحقيقي يأتي بتحصين الشعوب ودعمها ،في العلم والزراعة والصناعة وفي دعم البرمجيات والفنون،
أن الشعوب التي تنتج غذاءها ودواءها وتتفوق بتكنولوجيا العصر، تفرض احترامها على القوى العظمى، وليست مجرد “ساحة معركة” لتصفية الحسابات بين واشنطن وطهران، “الشرق الأوسط الجديد” في ظل مواجهة مباشرة بين (الولايات المتحدة، وإسرائيل) من جهة، و(إيران وحلفائها) من جهة أخرى، يشبه محاولة رسم خريطة لزلزال وهو لا يزال في ذروته. ومع ذلك، القراءة الواقعية للمشهد السياسي تشير إلى تحولات جذرية لن تعود المنطقة بعدها كما كانت،سنجد انحسار عصر “وكلاء الحروب ” وصعود “الدولة الوطنية”
إذا أدت المواجهة إلى إضعاف هيكلي للمشروع الإيراني الإقليمي، فمن المتوقع أن نشهد تراجعاً لدور الميليشيات العابرة للحدود (في لبنان، العراق، واليمن).. مما يجبر هذه الدول إلى العودة لمفهوم “الدولة المركزية”.. وستتبع تلك الدول ومنها فلسطين وإسرائيل سياسة تصفير المشاكل،ولكن هذا لن يحدث بسلاسة.. بل قد يمر بفترات من الفوضى، فالعولمة الجديدة سترسم خارطة جديدة للاستقرار في العالم، ولكن هذه المرة، بضغط اقتصادي ودبلوماسي أكثر منه عسكري.
____

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى